قرارات المحكمة الدستورية


قرار رقم : 263/26
تاريخ صدور القرار : 2026/06/15

المملكة المغربية                                 الحمد لله وحده،
المحكمة الدستورية      
                                                    

ملف عدد: 313/26
قرار رقم: 263/26 م.د

باسم جلالة الملك وطبقا للقانون

المحكمة الدستورية،

بعد اطلاعها على رسالة الإحالة المسجلة بأمانتها العامة في 15 ماي 2026، التي يطلب بمقتضاها ثلاثة وتسعون (93) عضوا بمجلس النواب من هذه المحكمة، أن تبت، استنادا إلى أحكام الفصل 132 من الدستور، في مطابقة ثمان مواد من القانون رقم 16.22 المتعلق بتنظيم مهنة العدول، فضلا عن مواد أخرى أو مجموع النص، للدستور؛ 
  
وبعد اطلاعها على الملاحظات الكتابية التي أدلى بها السيد رئيس الحكومة وسيدات وسادة من أعضاء مجلسي البرلمان، المسجلة بالأمانة العامة لهذه المحكمة على التوالي في  22 و25 ماي 2026؛

وبعد اطلاعها على الوثائق المدرجة في الملف، وعلى باقي المستندات المدلى بها؛

وبناء على الدستور، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.11.91 بتاريخ 27 من شعبان 1432 (29 يوليو 2011)؛

   وبناء على القانون التنظيمي رقم 066.13 المتعلق بالمحكمة الدستورية، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.14.139 بتاريخ 16 من شوال 1435 (13 أغسطس 2014) كما وقع تغييره وتتميمه؛

وبعد الاستماع إلى تقرير العضو المقرر والمداولة طبق القانون؛

أولا: من حيث الشكل:

حيث إن الفقرة الثالثة من الفصل 132 من الدستور، تنص بصفة خاصة على أنه: "يمكن ...، أو خمس أعضاء مجلس النواب، ...، أن يحيلوا القوانين، قبل إصدار الأمر بتنفيذها، إلى المحكمة الدستورية، لتبت في مطابقتها للدستور."؛

وحيث إن رسالة الإحالة قُدمت من قبل 93 عضوا من أعضاء مجلس النواب، إلى المحكمة الدستورية قبل إصدار الأمر بتنفيذ القانون رقم 16.22 المتعلق بتنظيم مهنة العدول، مما تكون معه هذه الإحالة مُتقيدة بالأحكام الدستورية المشار إليها؛

ثانيا: من حيث الإجراءات المتبعة لإقرار القانون:

حيث إن القانون المحال إلى المحكمة الدستورية، تداول في مشروعه مجلس الحكومة طبقا للفصل 92 من الدستور في اجتماعه المنعقد بتاريخ 20 نوفمبر 2025، وأُودع بالأسبقية لدى مكتب مجلس النواب، طبقا للفقرة الثانية من الفصل 78 من الدستور بتاريخ 16 ديسمبر 2025، ووافق عليه هذا المجلس بعد تعديله، في جلسته العامة المنعقدة بتاريخ 3  فبراير 2026، ثم أحيل بعد ذلك إلى مجلس المستشارين للتداول فيه، ووافق عليه بعد تعديله، في جلسته العامة المنعقدة في 21 أبريل 2026، ثم أحيل إلى مجلس النواب في إطار قراءة ثانية، فوافق عليه دون تعديل، في جلسته العامة المنعقدة في 28 أبريل 2026، والكل وفقا لأحكام الفصلين 83 و84 من الدستور؛

ثالثا: من حيث الموضوع:
حيث إن رسالة الإحالة تهدف إلى تصريح المحكمة الدستورية بعدم دستورية المواد 37 و50 و51 و53 (الفقرتين الأولى والثانية) و55 (الفقرة الثانية) و63 (الفقرة الأولى) و67 (البند الأول) و77 (الفقرتين الثانية والثالثة) من القانون المحال لمخالفتها للدستور، ولاسيما تصديره والفصول 6 و19 و21 و32 و34 و35 و71 و72 و117 و118 و120 و154 و155 و157 منه؛

وحيث إن هذه الإحالة تتعلق بمراقبة دستورية قانون، وهي مراقبة لا يعتد في إعمالها إلا بأحكام الدستور والقوانين التنظيمية؛
وحيث إنه، وإن كان موضوع الإحالة قد انصب على مقتضيات محددة تخص المواد الثمان المذكورة، فإن المحكمة الدستورية، بصفتها مراقبة لدستورية القوانين، يعود لها أن تثير تلقائيا ما تراه من أوجه عدم المطابقة أو المخالفة للدستور، متى كان لذلك ارتباط عضوي بالمواد المعروضة في رسالة الإحالة، وكلما تبين لها أن القانون المحال يمس بشكل بيّن أحكاما دستورية لم تثرها جهة الإحالة؛

1- فيما يتعلق بالمواد المثارة في رسالة الإحالة:

-     في شأن المادة 37:

حيث إن الجهة المحيلة تدفع بأن هذه المادة ترتب مسؤولية العدل عن امتناعه عن القيام بواجبه "بدون سبب مشروع"، دون تحديد المقصود بهذه العبارة، مما يجعلها فضفاضة وغير محددة المعالم، الأمر الذي يمنح القضاء سلطة تقديرية واسعة قد تؤدي إلى التعسف وتضارب الأحكام القضائية باختلاف تأويل "المشروعية" بهذا الخصوص، مما يعد غموضا يمس مبدأ الأمن القانوني المستنبط من الفصل السادس من الدستور، الذي يوجب أن تكون القواعد القانونية واضحة ومفهومة وقابلة للتوقع، كما يمس أيضا الأمن القضائي المنصوص عليه في الفصل 117 منه، إذ يجعل ممارسة مهنة العدول رهينة تأويلات قضائية متغيرة لا تستند إلى نص تشريعي منضبط، يحدد مفهوم السبب المشروع؛
لكـن،
حيث إن المشرع غير ملزم بحصر جميع الحالات التي تشكل سببا مشروعا، متى كان هذا المفهوم متعارفا عليه قانونا، وقابلا للتحديد من طرف القضاء في ضوء وقائع كل نازلة على حدة؛

وحيث إن السلطة التقديرية للقاضي في التحقق من مشروعية السبب، تمارس في إطار القانون وتخضع لواجب التعليل ومراقبة الهيئة القضائية الأعلى درجة بما يكفل التطبيق العادل للقانون؛

وحيث إن مبدأ الأمن القانوني المستفاد من الفصل السادس من الدستور، لا يقتضي أن تبلغ القاعدة القانونية درجة من التفصيل لتستوعب جميع الفرضيات الممكنة، ولا سيما إذا استحال حصرها، وإنما ينبغي أن تكون كافية لتمكين المخاطبين بها من إدراك مضمونها وآثارها القانونية بكيفية معقولة؛

وحيث إن مبدأ الأمن القضائي المنصوص عليه في الفصل 117 من الدستور لا يُحدد دون إسناد سلطة تقديرية للقاضي متى كانت مؤطرة بالقانون وخاضعة للرقابة القضائية؛

وحيث إن ما اشترطته المادة المعروضة من انعدام السبب المشروع لقيام مسؤولية العدل عن الضرر المترتب على امتناعه عن القيام بواجبه، يشكل ضمانة لصالحه لا قيداً على حرية ممارسة مهنته، وبالتالي تبقى مقتضيات هذه المادة واضحة وتندرج ضمن السلطة التقديرية للمشرع لاختيار الصياغة الملائمة لتحقيق حسن سير مرفق التوثيق العدلي وضمان قيام العدول بواجباتهم المهنية؛

وحيث إنه، تبعا لذلك، فإن المادة 37 لا تتضمن ما يخالف الفصلين السادس و117 من الدستور؛
    
- في شأن المادة 50:
حيث إن مقتضيات هذه المادة من القانون المحال تنص، حسب رسالة الإحالة، على ضرورة تلقي العدلين للشهادة في آن واحد  بمجلس العقد مع  تنظيم  حالة  تعذر  التلقي الثنائي، 


في حين أن الإبقاء على هذا النظام، ولاسيما في المعاملات العقارية والتجارية، وجعله شرطا لازما لتوثيق العقود رغم إعفاء مهن توثيقية أخرى من نفس الشرط في نفس المعاملات يشكل تمييزا غير مبرر بين المواطنين بحسب المهنة التوثيقية التي يختارونها، كما أن هذا القيد الإجرائي يمس مبدأ المساواة في الولوج إلى الخدمات المرفقية، ويجعل مقتضيات المادة 50 تفتقر إلى المبرر الموضوعي والمنطقي مما يجعلها مخالفة للدستور بسبب خرقها لمبدأ تكافؤ الفرص المنصوص عليه في تصدير الدستور ولأحكام الفصلين 6 و35 (الفقرة الأخيرة) منه وكذا لمبدأ المساواة المنصوص عليه في فصليه 19 و154،

إضافة إلى ذلك، فإن فرض التلقي الثنائي للعقود في عصر الرقمنة والبطاقة الوطنية للتعريف الإلكترونية يتنافى مع مبادئ الجودة والحكامة الجيدة، ويؤدي إلى إبطاء المعاملات وتعقيد المساطر، مما يخل بواجب الدولة في توفير مرفق عمومي عصري يستجيب لمعيار الجودة ذي القيمة الدستورية،

كما أن مبدأ تكافؤ الفرص، حسب رسالة الإحالة المذكورة، يقتضي تمكين المهنيين الذين يمارسون وظائف متماثلة من نفس الأدوات والآليات القانونية، في حين أن فرض التلقي الثنائي على العدول يشكل عائقا إجرائيا يحد من تنافسية مهنة التوثيق العدلي ويضعف جاذبيتها المهنية ويجعلها تظهر متأخرة عن الرقمنة والسرعة التي تتطلبها المعاملات؛

لكـن،

حيث إن المشرع يملك سلطة تقديرية واسعة في تنظيم المهن القانونية والقضائية وضبط شروط ممارستها، بما يكفل الأمن القانوني والتعاقدي؛

وحيث إن اشتراط التلقي الثنائي للشهادة في التوثيق العدلي، يجد سنده في الخصوصية التاريخية لمهنة العدول وفي طبيعة الوثيقة العدلية ذاتها، مما يوفر ضمانة إضافية للتثبت من صحة جميع البيانات المدلى بها والمضمنة في العقد أو الشهادة؛

وحيث إن مبدأ المساواة، وإن كان يستوجب معاملة الأشخاص المتواجدين في مراكز قانونية متماثلة بكيفية موحدة، فإنه لا يقتضي توحيد الأنظمة القانونية المطبقة على أوضاع مهنية متباينة؛ 

وحيث إن اختلاف القواعد القانونية المنظمة للمهن التوثيقية لا يشكل، في حد ذاته، إخلالا بمبدأ تكافؤ الفرص، ما دام كل تنظيم يستند إلى طبيعة المهنة واختصاصاتها خدمة للأمن التعاقدي؛


وحيث إن ما أثير بشأن انعكاس التلقي الثنائي على سرعة المعاملات وجودة الخدمات لا يبرر القول بعدم دستورية المقتضيات المعروضة، ما دام هذا الشرط يرمي إلى تحقيق غاية مشروعة تتمثل في تعزيز الثقة في الوثيقة العدلية وضمان أمن المعاملات، فضلا عن أن تقدير مدى ملاءمة الوسائل المعتمدة لبلوغ هذه الغاية يندرج ضمن نطاق السلطة التقديرية للمشرع، طالما لم يثبت خرقه لأي قاعدة دستورية؛

وحيث إنه، تأسيسا على ما سبق، تكون المادة المعروضة غير مخالفة للدستور؛

- في شأن المادة 51:

حيث إن الجهة المحيلة تؤاخذ على هذه المادة كونها اشترطت أن يكون الشاهد في العقود العدلية متمتعا بالأهلية القانونية وبحقوقه المدنية، مع قيام العدل بإشعاره بهذين الشرطين وتضمين ذلك في العقد، ومنعت أن يكون الشاهد في هذه العقود زوج العدل أو أحد أقاربه إلى غاية الدرجة الثالثة أو من أجرائه والمتمرنين لديه،

غير أن الاكتفاء بمجرد إشعار الشاهد، دون اعتماد آلية قانونية أو مؤسساتية للتحقق الفعلي من توفر الشرطين المذكورين، يجعل صحة العقد الرسمي مرتبطة بتصريح شفوي للشاهد قد يثبت لاحقا عدم صحته، كأن يتبين أن هذا الأخير مجرد من حقوقه المدنية، مما يؤدي إلى المساس بحجية العقد والأمن التعاقدي للمواطنين، ويكشف ذلك عن هشاشة إجرائية تتنافى مع واجب الدولة في توفير تشريع ضامن للأمن القانوني،

كما أن هذه المادة، تضيف الجهة المحيلة، أغفلت تنظيم حالات التنافي المرتبطة بأطراف العقد وقراباتهم، مما يعد نقصا تشريعيا ناتجا عن عدم التناسق في نظام التنافي، إذ العلة من إقرار هذا النظام هي ضمان الحياد المطلق ومنع شبهة المجاملة التي قد تمس صدقية المحرر الرسمي، مما يجعل هذه المادة غير منسجمة داخليا مع الغاية من إقرار النزاهة والحياد المفروضين دستوريا،

وعليه، فإن مقتضيات المادة المذكورة، حسب رسالة الإحالة، تمس مبدأ الأمن القانوني المنصوص عليه في الفصل السادس من الدستور، باعتبار أن هذا المبدأ يقتضي وضوح القاعدة القانونية وقابليتها للتوقع وضمان حسن تنفيذ الالتزامات دون مفاجآت، كما تشكل خرقا للفصل 155 منه، الذي يفرض على أعوان المرافق العمومية عند ممارسة وظائفهم احترام القانون ومبادئ الحياد والشفافية والنزاهة والمصلحة العامة، فضلا عن أن عدم وضوح النص وعدم اكتماله التشريعي يجعله غير منسجم مع متطلبات الرقابة الدستورية التي أكدت عليها المحكمة الدستورية في أحد قراراتها؛

لكـن،

حيث إن المشرع يتمتع، في نطاق سلطته التقديرية، بهامش من الحرية في تنظيم وسائل الإثبات وتوثيق التصرفات القانونية، واختيار الآليات الكفيلة بتحقيق الغايات المتوخاة من التشريع، ما لم يفض ذلك إلى الإخلال بأحكام الدستور أو الغلو في التقدير؛

وحيث إن اشتراط تمتع الشاهد بالأهلية القانونية والحقوق المدنية، يرمي إلى ضمان مصداقية الشهادة وتعزيز الثقة في المحرر العدلي، وإن إلزام العدل بإشعاره بهذين الشرطين وتضمين ذلك في العقد يندرج ضمن الضمانات القانونية المقررة لتحميل مختلف المتدخلين مسؤولياتهم، إذ لا يستفاد من أحكام الدستور إلزام المشرع باعتماد وسيلة بعينها للتحقق من توافر هذين الشرطين، ما دام قد أرسى قواعد قانونية تتيح ترتيب المسؤوليات على الإدلاء بتصريحات غير صحيحة؛

وحيث إن احتمال عدم استيفاء الشاهد للشرطين المذكورين أو أحدهما لا يُفيد، في حد ذاته، عدم دستورية المقتضيات المعروضة، ذلك أن الرقابة الدستورية تنصب على مدى مطابقة النص للدستور، لا على حالات يفترض فيها سوء تطبيقه أو مخالفة مقتضياته من قبل المخاطبين به؛

وحيث إن حصر حالات التنافي في بعض الروابط التي تجمع الشاهد بالعدل يندرج ضمن السلطة التقديرية للمشرع في تحديد نطاق الضمانات الكفيلة بصون استقلالية العدل وحياده، ولا سيما أن أحكام الدستور لا توجب التوسع في هذه الحالات إلى الحد الذي تدعو إليه الجهة المحيلة، كما أن عدم النص على حالات إضافية لا يشكل أيضا قصورا تشريعيا يرقى إلى مرتبة المخالفة الدستورية، متى ظل التنظيم المعتمد محققا لضمانات النزاهة والحياد؛

وحيث إن مبدأ الأمن القانوني المستفاد من الفصل السادس من الدستور، يقتضي أن تكون القاعدة القانونية واضحة وقابلة للتطبيق، وهو ما يتحقق في المادة المعروضة التي حددت بصورة دقيقة الشرطين الواجب توافرهما في الشاهد، وحالات التنافي المتعلقة به، بما يُمكن المخاطبين بمقتضياتها من استيعاب حقوقهم وإدراك آثارها القانونية؛

وحيث إن هذه المادة، لا تتعارض كذلك مع أحكام الفصل 155 من الدستور، إذ إن ما تضمنته من شروط وضوابط مهنية، يروم على العكس من ذلك، تعزيز مبادئ الحياد والنزاهة والشفافية الواجب على العدول مراعاتها أثناء ممارسة مهامهم؛

وحيث إنه، تبعا لذلك، فإن المادة المعروضة ليس فيها ما يخالف الدستور؛

- في شأن الفقرتين الأولى والثانية من المادة 53:

حيث إن الجهة المحيلة تؤاخذ كون مقتضيات هاتين الفقرتين من المادة المذكورة، تسمح بتلقي العقد من العاجز عن الكلام أو السمع عبر "الإشارة المفهومة" عند تعذر الكتابة،

غير أن هذا المفهوم يفتقر إلى الضبط القانوني والتقنين، مما يجعل إرادة هذه الفئة الهشة من المواطنين عرضة لسوء التأويل أو التدليس خاصة في غياب إلزامية الاستعانة بخبير متخصص لضمان التعبير الحقيقي عن الإرادة في هذه الحالة، مما يعد تقصيرا من المشرع في توفير الحماية القانونية لحقوق وممتلكات هذه الفئة ويعرض أمنهم التعاقدي والعقاري للخطر،

كما أن استعمال عبارة "كل شخص مؤهل" للمساعدة عند وجود صعوبة في التلقي يعد بدوره مفهوما غير معرف قانونا، مما يفتح المجال لاختلاف التأويلات ويمس حجية المحرر الرسمي، إذ لا يجوز أن تبنى رسمية العقد على تدخل شخص لا يملك صفة قانونية واضحة كالخبير والترجمان،

وعليه، فإن مقتضيات هاتين الفقرتين من المادة المذكورة، حسب رسالة الإحالة، تمس مبدأ الأمن القانوني المنصوص عليه في الفصل السادس من الدستور، لافتقارها إلى الوضوح والدقة، كما تشكل خرقا لفصليه 21 و34 لعدم توفير الحماية القانونية لضمان الحقوق واستقرار المعاملات، فضلا عن أن هذا الانفتاح التشريعي غير المنضبط يخل بمبدأ وضوح القواعد القانونية؛

وحيث إن الفقرة الأولى من الفصل السادس من الدستور تنص على أن: "القانون هو أسمى تعبير عن إرادة الأمة. والجميع، أشخاصا ذاتيين أو اعتباريين، بما فيهم السلطات العمومية، متساوون أمامه، وملزمون بالامتثال له."؛

وحيث إن الفصل 34 من الدستور ينص على أنه: "تقوم السلطات العمومية بوضع وتفعيل سياسات موجهة إلى الأشخاص والفئات من ذوي الاحتياجات الخاصة. ولهذا الغرض، تسهر خصوصا على ما يلي:
- ...؛
- إعادة تأهيل الأشخاص الذين يعانون من إعاقة جسدية، أو حسية حركية، أو عقلية، وإدماجهم في الحياة الاجتماعية والمدنية، وتيسير تمتعهم بالحقوق والحريات المعترف بها للجميع."؛

وحيث إنه، يبين من مقتضيات الفقرتين المعروضتين، أن المشرع أجاز للعدلين تلقي الإشهاد مباشرة من الأشخاص ذوي الإعاقة الكلامية أو السمعية، وجعل الاستعانة بترجمان محلف أو خبير قضائي في لغة الإشارة أو بكل شخص مؤهل، مشروطة بقيام صعوبة في التلقي المباشر، ومنوطة بالسلطة التقديرية للعدلين؛

وحيث إن المساواة التي يكفلها الدستور لا تقتصر على مفهومها الشكلي، بل تمتد إلى ضمان شروط الممارسة الفعلية للحقوق والحريات، بما يستوجب توفير الوسائل والتيسيرات الملائمة للأشخاص في وضعية إعاقة، كلما كان ذلك ضروريا لتمكينهم من التعبير عن إرادتهم وممارسة حقوقهم على قدم المساواة مع غيرهم؛

وحيث إن إخضاع الاستعانة بوسائل التواصل الملائمة لوضعية الأشخاص ذوي الإعاقة المذكورة لسلطة العدلين التقديرية، دون إقرار ضمانة قانونية، لا يوفر لهذه الفئة الشروط الكافية للتعبير عن إرادتها تعبيرا يقينيا وكاملا عند تلقي العقود والشهادات، ولا يكفل لها الاستفادة من الخدمات التوثيقية التي ينظمها القانون المحال، على قدم المساواة مع سائر المتعاقدين؛

وحيث إن مقتضيات الفقرتين المذكورتين، استنادا إلى ما بُيّن أعلاه، تكون قد أخلّت بمتطلبات المساواة الفعلية وبواجب توفير الحماية القانونية للأشخاص في وضعية إعاقة، المقررين بمقتضى الدستور؛

وحيث إنه، تأسيسا على ذلك، تكون الفقرتان الأولى والثانية من المادة 53 غير مطابقتين للدستور؛
          
- في شأن الفقرة الثانية من المادة 55:

حيث إن الجهة المحيلة تعتبر أن الفقرة الثانية من هذه المادة، تسمح بالاعتماد على "نسخة المستند" في عمليات التفويت شريطة الإدلاء بإشهاد بضياع الأصل، غير أن هذا المقتضى يسهل عمليات التدليس والاستعمال المزدوج للمحررات بما يهدد استقرار الملكية العقارية، وأن اكتفاء المشرع ببديل ورقي دون إقرار آليات رقمية أو سجل مركزي للتحقق من صحة المستندات يشكل تقصيرا في حماية حق الملكية، ويجعل ممتلكات المواطنين عرضة للمخاطر القانونية، مما يعد خرقا للفصلين 21 و35 من الدستور،

كما أن الارتكان إلى "إشهاد ورقي" يفيد ضياع أصل مستند الملكية، يعد آلية متجاوزة وغير آمنة، ويتنافى مع مبدأ الجودة وإحدى قواعد الحكامة الجيدة للمرافق العمومية وهو ما يعتبر مخالفا للفصل 154 من الدستور؛ 

لكـن،

حيث إن الفقرة الثانية من المادة المعروضة، لم تجز الاعتماد على نسخة مستند التملك المعتبر قانونا، على نحو مطلق، وإنما قيدت ذلك بشرطين متلازمين يتمثلان في أن تكون هذه 

النسخة مُعدّة خصيصا للغرض المطلوب وأن تكون معزّزة بإشهاد صادر عن الجهة المختصة يثبت ضياع الأصل أو تعذّر الحصول عليه، وفي هذين الشرطين ضمانة قانونية كافية للتحقق من صحة المستند ومصدره وسلامة الإجراءات المتعلقة بالحصول على نسخة منه؛

وحيث إن اعتماد نسخة مستند التملك في التفويت وفق الشرطين المذكورين لا يمس حق الأفراد في حماية ممتلكاتهم المكفول بمقتضى الفصل 21 من الدستور، ولا يترتب عليه إنشاء حق عيني أو نقله أو تعديله، مما لا يتعارض مع الحماية الدستورية لحق الملكية المقررة بموجب الفصل 35 من الدستور كذلك؛

وحيث إن في اعتماد هذه النسخة وفق المبين أعلاه، تمكينا للمرتفقين من مواصلة إجراءاتهم القانونية عند تعذر الإدلاء بأصل المستند، مما يحقق توازنا متناسبا بين متطلبات الأمن القانوني من جهة، وضمان انسيابية المعاملات وصون حقوق أطرافها، من جهة أخرى، وهو ما يتوافق مع مبدأ الاستمرارية في أداء المرفق العام ومتطلبات جودة الخدمات المستفادة من أحكام الفصل 154 من الدستور؛

وحيث إنه، تبعا لما سبق، فإن الفقرة الثانية من المادة 55 لا تتضمن ما يخالف أحكام الفصول 21 و35 و154 من الدستور؛

- في شأن الفقرة الأولى من المادة 63:    

حيث إن الجهة المحيلة تثير كون الفقرة الأولى من هذه المادة، تلزم العدل بإنجاز الإجراءات الضرورية للتقييد بالسجلات العقارية، إلا أنها أغفلت إقرار آلية تضمن التزامن بين أداء الثمن والتقييد العقاري  وكذا تمكينه من حفظ الثمن لدى جهة مخول لها قانونا الاحتفاظ بالودائع، خلافا لبعض المهن التوثيقية الأخرى، مما يضع المشتري في مخاطرة مالية، حيث قد تظهر "حجوزات" أو "تقييدات احتياطية" بين فترة توثيق العقد وتقييده بالسجلات العقارية، أو في حالة قيام البائع سيء النية بتفويت العقار مجددا لشخص آخر، مما يجعل العملية التعاقدية محفوفة بالمخاطر المالية،

    وأن هذا القصور التشريعي في الضمانات المالية، حسب رسالة الإحالة، يفرغ حق الملكية من حمايته الفعلية المكفولة بموجب الفصلين 21 و35 من الدستور ويجعل الأمن العقاري للمواطنين لا يستجيب للمعايير الدستورية، بخلاف ما استقر عليه قرار سابق للمحكمة الدستورية الذي جاء فيه بأن: "المشرع لا يجوز له اعتماد تقنية تشريعية تحدد نتيجة معينة دون توافر الشروط القانونية والموضوعية لضمان تحقيقها."؛

لكـن،

حيث إن ما أثارته الجهة المحيلة لا ينصب على مضمون الفقرة الأولى من المادة المعروضة، وإنما على خلوها من آلية تشريعية إضافية تتعلق بكيفية أداء الثمن وحفظه أو بضمان التزامن بين الوفاء به وإجراءات التقييد، كان ينبغي النص عليها صراحة، خلافا لما هو مقرر في بعض المهن التوثيقية الأخرى، في حين أن تقدير الوسائل والآليات الكفيلة بتنظيم المعاملات يندرج ضمن الخيارات التشريعية التي يراعي فيها المشرع ما يراه ملائما لتحقيق المصلحة العامة، ما لم تكن متعارضة مع أحكام الدستور ولا يشوبها غلو في التقدير؛

وحيث إن مجرد عدم التنصيص في الفقرة المذكورة على آلية بعينها لتأمين أداء الثمن وحفظه ليس في حد ذاته، إخلالا بالحماية الدستورية المقررة لحق الملكية بموجب الفصلين 21 و35 من الدستور، ذلك أن هذه الحماية لا تُستمد من مقتضى تشريعي منفرد، بل تتكامل من خلال مجموع القواعد القانونية المؤطرة للتصرفات العقارية والحماية القضائية المكفولة للحقوق العينية والشخصية على حد سواء؛

وحيث إن إلزام العدل بإنجاز إجراءات التسجيل والتقييد والنشر، يدخل ضمن الآليات الرامية إلى تعزيز الأمن العقاري وضمان استقرار المعاملات وإشهار الحقوق وتمكين الغير من الاطلاع عليها وفق الشروط المقررة قانونا؛

وحيث إن ما تثيره الجهة المحيلة من احتمالات تتعلق بظهور حجوزات أو تقييدات احتياطية أو إقدام البائع سيئ النية على تصرفات مخالفة للقانون، ليس من شأنه أن يؤدي إلى التصريح بعدم دستورية مقتضيات الفقرة المعروضة، إذ إن تلك الفرضيات المرتبطة بسلوك الأشخاص تقع تحت طائلة النصوص القانونية الجاري بها العمل، فضلا عن أن مقتضياتها لا تحول صراحة ولا ضمنا دون ترتيب الآثار القانونية على هذه الأفعال، ومن ثم فإنها لا تمس جوهر حق الملكية ولا تُخل بمتطلبات الأمن العقاري للمواطنين؛

وحيث إنه، تأسيسا على ما تقدم، تكون الفقرة الأولى من المادة 63 ليس فيها ما يخالف الدستور؛

 - في شأن البند الأول من المادة 67:

    حيث إن البند الأول من المادة 67 من القانون المحال ينص على أنه: 
"يشترط في شهود اللفيف ما يلي:    
- ألا يقل عددهم عن اثني عشر (12) ذكورا وإناثا؛"؛

وحيث إن الجهة المحيلة تؤاخذ على هذا البند أن المشرع لما اكتفى بعبارة "ذكورا وإناثا" فإنه فتح الباب لتأويلات العدول والقضاة بشأن تحديد نصاب كل جنس، وأن تحديد هذا النصاب يندرج ضمن ما لم يرد به نص في قانون "مهنة التوثيق العدلي" ويتوجب الرجوع بشأنه لقواعد الفقه، ومن ثم الوقوع في خرق مبدأ المساواة بين الجنسين المضمون دستوريا، وأن مقتضياته تخرق الدستور بسبب غموض الصياغة وخرق مبدأ المساواة وتكريس التمييز بين الجنسين وهو المبدأ الذي أكدته المحكمة الدستورية في أحد قراراتها، كما تعتبر مقتضيات هذا البند مساسا بالفصل 19 من الدستور كما سبق وضيحه،

    كما أن مقتضيات البند المذكور، تخرق مبادئ المرافق العمومية المنصوص عليها في الفصل 154 من الدستور، إذ الجودة يمكن تعريفها في هذا السياق بأنها تقديم خدمة توثيقية ذات موثوقية عالية، في زمن معقول وبتكلفة مادية ومعنوية مناسبة، ولا بأس بالاستئناس بالمادة الخامسة من القانون رقم 54.19 بمثابة ميثاق المرافق العمومية في هذا الصدد، لأن له أساسا في الفصل 157 من الدستور، وهذه المادة تتضمن تجليات الجودة في تقديم خدمات تستجيب لحاجيات المرتفقين، وأن فرض اثني عشر شاهدا على طالب شهادة اللفيف رغم أن هذا العدد لم يرد في دليل نقلي يصطدم بعوائق عديدة منها ما يلي:

أولا- عائق الولوجية: إن هذا العدد من الشهود يمثل عائقا ماديا واجتماعيا لا سيما في المدن بسبب كثرة انشغالات الناس وارتباطاتهم، كما أنه عسير على ساكنة القرى والجبال، لأن عددها أقل من المدن للعديد من الأسباب كالهجرة القروية، وهذا فيه تمييز مجالي بين المواطنين ومساس بمبدأ الإنصاف في تغطية التراب الوطني المنصوص عليه في الفصل 154 من الدستور والذي وضحته المادة الخامسة المشار إليها أعلاه، وأن عدم استجابة مقتضيات البند المعروض لما بيناه، سيترتب عليه منع فئة عريضة من توثيق حقوقها ويحول هذا المرفق إلى عبء إجرائي ينفر المرتفقين،

ثانيا- هدر الزمن التوثيقي: إن جودة المرفق تقاس بسرعة الأداء، وأن فرض العدد المذكور من الشهود على المرتفق وسماع أقوالهم فرادى وفي تواريخ مختلفة عند الاقتضاء كما جاء في المادة 69 من القانون المحال هو هدر صارخ للزمن التوثيقي؛
    
وحيث إن الفصل السادس من الدستور يُرسي مبدأ سمو القانون وخضوع الجميع له أفراداً وهيئات، بما يستوجب أن تتسم القاعدة القانونية بالوضوح والدقة والقابلية للتوقع، وأن تكون صياغتها محكمة بما يمكن المخاطبين بها من استيعاب مضمونها وإدراك آثارها القانونية على نحو يقيني خال من اللُبس والغموض؛

وحيث إنه، يبين من الاطلاع على الأعمال التحضيرية للقانون المحال، ولا سيما محضر الجلسة العامة لمجلس النواب المنعقدة بتاريخ 28 أبريل 2026 المخصصة لمناقشة مشروع هذا القانون، أن مدلول عبارة "ذكورا وإناثا" الواردة  في  البند  الأول  من  المادة  67  المعروضة، 
يفتح المجال أمام تأويلات وتطبيقات متباينة تبعا للسلطة التقديرية لكل قاض بمعزل عن غيره، الأمر الذي يجعل هذه العبارة تفتقر إلى المدلول الموحّد والمعنى المحدد، مما يجعل تطبيقها رهينا باجتهادات قضائية متضاربة، ويُعرّض المراكز القانونية للمخاطبين بمقتضياتها لعدم الاستقرار؛

وحيث إن القاعدة القانونية التي يتبين من خلال الاطلاع على الأعمال التحضيرية، أنه يتعذر تحديد مدلولها على نحو قاطع، لا يمكن أن ترقى إلى مستوى الوضوح والدقة المطلوب توافرهما فيها دستوريا، مما يجعل صياغة العبارة المعروضة غامضة وغير مقروءة، وبالتالي لا توفر للمخاطبين بها القدر اللازم من الجزم بشأن شروط تطبيقها وآثارها القانونية؛

وحيث إن التصريح بعدم دستورية عبارة "ذكورا وإناثا" والإبقاء على الجزء الآخر الذي هو: "ألا يقل عددهم عن إثني عشر (12)" من شأنه أن يؤدي إلى إنشاء قاعدة قانونية جديدة تكمن في حصر العدد في إثني عشر شاهدا من الذكور فقط، وهو ما يخالف قصد المشرع المتمثل في إقرار أحقية الذكور والإناث في أن يكونوا، معا أو أحدُهم حسب الحالة، ضمن شهود اللفيف، وهو ما يندرج في المجال التشريعي؛ 

وحيث إنه، تأسيسا على ذلك، فإن البند الأول من المادة 67 في مجموعه يخل بمتطلبات الأمن القانوني المستفاد من أحكام الدستور وفق ما بُيّن أعلاه، مما يجعله مخالفا للدستور؛

- في شأن الفقرتين الثانية والثالثة من المادة 77:

حيث إن الفقرتين الثانية والثالثة من المادة 77 من القانون المحال تنصان على أنه: 
"إذا رفض القاضي المكلف بالتوثيق الخطاب على العقد أو الشهادة لأي سبب من الأسباب ضمّن أصل العقد أو الشهادة الأسباب المبررة لرفض الخطاب مع وضع توقيعه وطابعه عليه.
 يمكن للعدلين التظلم من هذا الرفض أمام رئيس المحكمة الابتدائية التي يوجد بدائرة نفوذها مكتب العدلين."؛

وحيث إن الجهة المحيلة تؤاخذ على المشرع كونه استعمل في مقتضيات الفقرتين لفظ "التظلم" بدل "الطعن" وهو ما يعد انحرافا تشريعيا يُقزم الحقوق، لأن التظلم يحمل صبغة إدارية أو ولائية، بينما الطعن يفتح باب الخصومة القضائية بضماناتها الكاملة، مما سيحرم العدل من الآليات الحمائية التي يوفرها قانون المسطرة المدنية، وهذا المقتضى فيه خرق للفصلين 118 و120 من الدستور، كما يظهر قصورا تشريعيا بشأن مآل القضية بعد الأمر الصادر عن رئيس المحكمة، وهو ما يشكل خرقا للفصل 117 من الدستور أيضا،

إن سكوت المشرع في المادة 77 من القانون المحال عن تبيان هل أمر رئيس المحكمة بهذا الخصوص نهائي أم يقبل الطعن، يمس الأمن القانوني للمخاطبين به، ويلحق بهم ضررا كبيرا سواء على مستوى سمعتهم مع المتعاقدين وعموم المواطنين، أو على مستوى ذمتهم المالية في إطار المسؤولية التقصيرية، وكذا إمكانية متابعتهم تأديبيا بعد صدور هذا الأمر الذي قد يكون مجانبا للصواب، دون إتاحة مكنة قانونية لمراجعته، كما تشكل كل مقتضيات الفقرتين المعروضتين خرقا للفصول 6 و21 و35 من الدستور و32 منه،

كما أن ظاهر مقتضيات الفقرة الثالثة من هذه المادة يفيد حصر حق التظلم من قرار القاضي المكلف بالتوثيق في العدلين فقط، مما يترتب عليه منع أطراف العقد من حق الدفاع عن عقدهم، الأمر الذي يمس حق الملكية، وأن هذا المنع يتنافى مع مبدأ المساواة أمام القانون ويكرس التمييز بين العدول ومرتفقيهم بدون مسوغ منطقي، فإذا تعلق الأمر بعقد زواج فإن طرفيه سيحرمان من الحماية الحقوقية والاجتماعية والاقتصادية للأسرة التي ضمنها الدستور؛

لكـن،

حيث إنه، وإن كان "التظلم" المنصوص عليه في مقتضيات الفقرتين المعروضتين، لا يُرفع إلى جهة إدارية أو هيئة مهنية، وإنما يُقدم إلى رئيس المحكمة الابتدائية بصفته جهة قضائية، فإن ذلك لا يغير من طبيعته كوسيلة قانونية أقرها المشرع للطعن في قرار رفض الخطاب الصادر عن القاضي المكلف بالتوثيق، قصد التحقق من مدى استناده إلى المقتضيات القانونية الواجبة التطبيق، مما يضفي على هذه الآلية طابعا قضائيا، ويُوفر للعدول وسيلة ناجعة لمراجعة هذا القرار المتظلم منه وصون حقوقهم المهنية؛

وحيث إن المشرع غير ملزم دستوريا بإقرار درجات متعددة للتقاضي أو الطعن في جميع الأوامر والقرارات القضائية دون استثناء، وأن تنظيمه لهذه الآلية على النحو المذكور، جاء متناسبا مع طبيعة المسألة المعروضة ومحققا لضمانات الأمن القضائي، ومن ثم فإن سكوته عن مسألة قابلية الأمر الصادر عن رئيس المحكمة الابتدائية للطعن من عدمه لا يشكل، في حد ذاته، مخالفة للدستور؛

وحيث إن ما أثير بخصوص عدم تمكين الأطراف أو المرتفقين من الطعن في القرار الصادر عن القاضي المكلف بالتوثيق، والقاضي برفض الخطاب، لا يرقى إلى مستوى خرق مبدأ المساواة، ذلك أن هذا المبدأ يفترض تماثل المراكز القانونية، ولما كان العدل متدخلا مهنيا في عملية التوثيق بموجب القانون، فإن مركزه القانوني يختلف جوهريا عن مركز الأطراف المستفيدة من العقد أو الشهادة، وبالتالي فإن اختلاف الوسائل الإجرائية المقررة لكل فئة يجد سنده في اختلاف أوضاعها القانونية، ولا يشكل تمييزا غير مبرر بينها؛

وحيث إن مقتضيات الفقرتين المعروضتين تروم تحقيق توازن متناسب بين إخضاع أعمال التوثيق لرقابة قضائية فعالة وبين حفظ حق العدول في مراجعة قرار رفض الخطاب، دون أن تمس جوهر الحق في التقاضي أو ضمانات حقوق الدفاع أو مبدأي المساواة والأمن القانوني؛


وحيث إنه، تأسيسا على جميع ما تقدم، فإن مقتضيات الفقرتين الثانية والثالثة من المادة 77 ليس فيها ما يخالف الدستور؛

2- فيما يتعلق بالمواد المثارة تلقائيا من قبل المحكمة الدستورية:

- في شأن المادة الثامنة:

حيث إن المادة الثامنة تنص على أنه: "تتنافى مهنة العدول مع: 
- جميع الوظائف الإدارية والقضائية؛
- مهن المحامي والموثق والمفوض القضائي والترجمان المحلف؛
- مهام الخبرة القضائية؛
- كل نشاط تجاري سواء زاوله العدل مباشرة أو بصفة غير مباشرة، غير أنه يمكن له التوقيع على الأوراق التجارية لأغراض مدنية؛
- مهام الإدارة والتسيير في شركة تجارية، أو اكتساب صفة شريك متضامن في شركات التضامن أو شركة التوصية البسيطة أو شركة التوصية بالأسهم، أو صفة شريك وحيد في شركة ذات مسؤولية محدودة؛
- كل عمل خاص يؤدى عنه أجر، باستثناء المهام الدينية والأنشطة العلمية والأدبية والفنية والرياضية المأذون له بها من قبل السلطة الحكومية المكلفة بالعدل.
يتعرض للعقوبات التأديبية كل عدل يوجد في حالة تناف."؛

وحيث إنه، يبين من مقتضيات هذه المادة، موضوع الفحص، أن الغاية التشريعية من تنظيم حالات التنافي، تنصب على صون استقلالية مهنة العدول وضمان نزاهتها وحياد ممارسيها، ودرء كل صورة من صور تضارب المصالح التي من شأنها المساس بثقة المتعاملين في هذه المهنة، غير أن تحقيق هذه الغاية يستلزم أن يُصاحب إقرار حالات التنافي تنظيم إجرائي واضح يحدد كيفيات تطبيقها وضوابط الامتثال لها؛

وحيث إن المشرع حين أقر أن العدل الذي يوجد في حالة تناف، وفق المنصوص عليه في متن المادة المذكورة، لم ينص على أي أجل يتيح للعدل المعني تسوية وضعيته القائمة قبل أن تُرتب الآثار القانونية على قيام التنافي، ولم يحدد أي مسطرة قانونية أو إدارية تضبط كيفية التصريح بحالة التنافي، ولم يعين الجهة المختصة بتلقي هذا التصريح وأجل البت فيه؛ 

وحيث إن هذا السكوت من قبل المشرع، يشكل إغفالا تشريعيا يطال العناصر الجوهرية اللازمة لإعمال القاعدة القانونية، وينجم عنه فراغ قانوني من شأنه تعطيل قابلية النص للتطبيق المتوازن والمنصف، ويفتح الباب أمام تفسيرات متضاربة بهذا الخصوص؛

وحيث إنه، بناء على ما تم بيانه، تكون المادة الثامنة من القانون المحال، بما تنطوي عليه من إغفال تشريعي، مخالفة للدستور؛

في شأن المادة 120:

حيث إن هذه المادة تنص على أنه:" يتم البت في المتابعة التأديبية المثارة في حق العدل من قبل لجنة تأديبية تحدث لدى السلطة الحكومية المكلفة بالعدل، تتألف من:
- وزير العدل أو ممثله بصفته رئيسا؛ 
- ممثلين (02) عن المجلس الأعلى للسلطة القضائية؛
- ممثلين (02) عن رئاسة النيابة العامة؛
- رئيس الهيئة الوطنية للعدول المنصوص عليها في المادة 140 أدناه، أو من ينوب عنه؛ 
- رئيس مجلس جهوي للعدول يعينه رئيس الهيئة الوطنية للعدول.
يتولى كتابة اللجنة إطار من وزارة العدل، يعينه رئيس اللجنة.
تجتمع اللجنة المذكورة أعلاه، بدعوة من رئيسها مرتين في السنة على الأقل وكلما     دعت الضرورة ذلك، وتكون اجتماعاتها صحيحة بحضور ثلاثة (3) من أعضائها بمن فيهم الرئيس، وتتخذ قراراتها بأغلبية أعضائها الحاضرين، وفي حالة تساوي الأصوات يرجح الجانب الذي يكون فيه الرئيس.
ترفع اللجنة مقترحاتها إلى السلطة الحكومية المكلفة بالعدل التي تصدر قرارات بشأنها."؛ 

وحيث إنه، يبين من مقتضيات هذه المادة، أن اللجنة التأديبية التي يرأسها وزير العدل  أو ممثله، تتولى البت في الأفعال المنسوبة إلى العدل وتحديد الجزاء التأديبي المناسب، ثم تحيل مقترحاتها بهذا الخصوص إلى السلطة الحكومية المكلفة بالعدل لاتخاذ ما يلزم بشأنها، دون تحديد صلاحياتها بهذا الخصوص؛

وحيث إن هذه الإحالة لا يمكن تفسيرها، في ضوء مبادئ دولة الحق والقانون وربط المسؤولية بالمحاسبة وضمان حسن سير المرافق العمومية، على أنها تخول وزير العدل صلاحية إعادة النظر في المقرر التأديبي الصادر عن اللجنة المذكورة أو تعديله أو استبداله بقرار آخر، ذلك أن هذا الأخير يكون قد أسهم في تكوين إرادة هذه اللجنة بحكم رئاسته لها أو من خلال ممثله فيها، مما يجعل إسناد سلطة مراجعة المقرر ذاته إليه، جامعا بين صفة المشارك في اتخاذ القرار وصفة الجهة المنوط بها مراقبتُه أو تعديله؛

وحيث إن هذا الجمع من شأنه أن يمُس ضمانات الحياد والاستقلالية والموضوعية الواجب توافرها في المسطرة التأديبية، وأن ينتقص من الاختصاص الأصيل المخول للجنة، بما يُحول مقررها إلى مجرد توصية أو اقتراح، خلافا للإرادة التشريعية المستفادة من مقتضيات الفقرة الأولى من المادة المعروضة التي أسندت للجنة التأديب صراحة سلطة البت وتوقيع العقوبة؛

وحيث إن إحالة مقرر هذه اللجنة إلى السلطة الحكومية المكلفة بالعدل، يتعين أن تُفهم على أنها تخول وزير العدل ممارسة الاختصاصات التنفيذية والإدارية اللازمة لتنفيذ المقرر التأديبي وترتيب آثاره القانونية، وهو ما تؤكده مقتضيات المادة 125 من القانون المعروض، دون أن يمتد نطاق هذه الصلاحية إلى مراجعة مضمونه أو إعادة تقدير وقائعه أو تعديل العقوبة التي قررتها اللجنة المذكورة؛

وحيث إنه، بناء على ما سبق بيانه، تكون مقتضيات المادة 120، غير مخالفة للدستور، شريطة أن تُفهم وتطبق على أساس أن إحالة مقترحات اللجنة التأديبية إلى السلطة الحكومية المكلفة بالعدل، لا تخول وزير العدل صلاحية إعادة النظر فيها، وإنما تخوله حصرا ممارسة الاختصاصات التنفيذية والإدارية اللازمة لتنفيذ المقرر التأديبي وترتيب آثاره القانونية؛

- في شأن مواد البابين الثاني عشر والثالث عشر:

حيث إنه، يبين من استقراء مقتضيات المواد من 140 إلى 194 من القانون المحال، أن المشرع أحدث بنية تنظيمية لمهنة العدول وذلك من خلال تخصيص الباب الثاني عشر للهيئة 
الوطنية للعدول (من المادة 140 إلى المادة 171) والباب الثالث عشر للمجالس الجهوية للعدول (من المادة 172 إلى المادة 194)، ويهدف هذا التنظيم إلى تأطير مهنة العدول وضمان حسن سيرها وتدبير شؤونها الذاتية؛

وحيث إن الدستور ينص في البند التاسع والعشرين من الفقرة الأولى من الفصل 71 منه على أنه: "يختص القانون،...
- إحداث المؤسسات العمومية وكل شخص اعتباري من أشخاص القانون العام"، 
كما ينص في الفصل 154 منه على أنه: "يتم تنظيم المرافق العمومية...، والاستمرارية في أداء الخدمات.

تخضع المرافق العمومية لمعايير الجودة والشفافية والمحاسبة والمسؤولية، وتخضع في تسييرها للمبادئ والقيم الديمقراطية التي أقرها الدستور."؛

وحيث إنه، يستفاد من أحكام هذين الفصلين 71 (البند التاسع والعشرون من الفقرة الأولى) و154 من الدستور، أنه من جهة، يندرج ضمن مجال القانون إحداث المؤسسات العمومية وسائر الأشخاص الاعتباريين من أشخاص القانون العام، كما يجوز للمشرع أن يحدث شخصا اعتباريا آخر ذا طبيعة مهنية ويخوله ممارسة بعض صلاحيات السلطة العامة، وفق ما هو منصوص عليه في هذين البابين، الأمر الذي يقتضي أن يباشر المشرع اختصاصه التنظيمي في مجال المهن القانونية والقضائية ممارسة كاملة وفعالة، دون التخلي عن جوهر غايته الدستورية، ودون ترك تنظيم سير المرافق المهنية المعنية لسلطة الفاعلين فيها في غياب الضوابط القانونية الكفيلة بضبطها وحمايتها، ومن جهة أخرى، فإن المرافق العمومية يستوجب تنظيمها على أساس مبادئ الاستمرارية في تقديم الخدمات، وانتظام سيرها؛ 

وحيث إن الهيئة الوطنية للعدول والمجالس الجهوية للعدول تتمتع كل منها بالشخصية الاعتبارية والاستقلال في التسيير، وتساهم مباشرة في تدبير مرفق عام ذي طبيعة قضائية وتوثيقية، من خلال الصلاحيات المخولة لها، ولا سيما ما يتعلق بضبط سير أعمال العدول وممارسة الاختصاص التأديبي، بما يكرس خضوعها لمبدأ استمرارية المرفق العام باعتباره مبدأ دستوريا ملزما، يفرض على المشرع، عند تنظيمه لهذه الهيئة واختصاصاتها، توفير الشروط الكفيلة بضمان سيرها العادي والمتواصل دون انقطاع؛

وحيث إنه، يبين من المقتضيات الواردة في البابين المذكورين، أنها وإن أعادت تنظيم الهيئة المعنية وتأطير عمل العدول وأسندت إليها اختصاصات حصرية ذات صلة مباشرة بالمرفق العام التوثيقي، ومصالح المرتفقين، فإنها قد خلت من المقتضيات القانونية الكفيلة بتدارك حالات التعطيل أو العجز التي قد تصيب الهيئة الوطنية للعدول أو المجالس الجهوية للعدول، سواء فيما يتعلق بعدم القدرة على القيام بمهامها أو عدم انتظام اجتماعاتها الأمر الذي يمس مبدأ الاستمرارية في أداء الخدمات العمومية، ويحرم المرتفقين من الضمانات الأساسية لحماية حقوقهم، بما لا ينسجم ومتطلبات الحكامة الجيدة المكرسة في الدستور؛

وحيث إنه، في غياب آليات قانونية واضحة لتدارك حالات التعطيل أو النيابة أو الحلول عند تعثر أجهزة الهيئة المنتخبة وطنيا أو جهويا، يكون المشرع قد أغفل تنظيم وضعية جوهرية من شأنها ضمان استمرارية المرفق العام، مما يشكل فراغا تشريعيا يمس الاختصاص التشريعي الموكول له دستوريا، ويؤدي إلى الإخلال بمبدأي الحكامة الجيدة واستمرارية المرفق العام؛  

وحيث إنه، تأسيسا على ذلك، تكون مواد البابين الثاني عشر والثالث عشر فيما أغفلته من ضمان استمرار المرفق العام التوثيقي مشوبة بعيب عدم الاختصاص السلبي للمشرع، مما يوجب التصريح بمخالفتها للدستور؛ 

لهذه الأسباب:

ودون الإثارة التلقائية لعدم الدستورية البينة لباقي مواد ومقتضيات القانون المحال؛

أولا- تقضي بأن:

- المواد 8 و53 (الفقرتان الأولى والثانية) و67 (البند الأول)، مخالفة للدستور، وكذلك المواد من 140 إلى 194 من البابين الثاني عشر والثالث عشر، فيما أغفلته من ضمان استمرارية المرفق العام التوثيقي، مخالفة للدستور؛

- المواد 37 و50 و51 و55 (الفقرة الثانية) و63 (الفقرة الأولى) و77 (الفقرتان الثانية والثالثة)، ليس فيها ما يخالف الدستور؛

- المادة 120، ليس فيها ما يخالف الدستور، شريطة أن تفهم وتطبق على أساس أن إحالة مقترحات اللجنة التأديبية إلى السلطة الحكومية المكلفة بالعدل، لا تُسند لوزير العدل صلاحية إعادة النظر فيها، وإنما تخوله حصرا ممارسة الاختصاصات التنفيذية والإدارية اللازمة لتنفيذ المقرر التنفيذي وترتيب آثاره القانونيةّ؛

ثانيا- تأمر بتبليغ نسخة من قرارها هذا إلى كل من السيد رئيس الحكومة، والسيد رئيس مجلس النواب، والسيد رئيس مجلس المستشارين، وبنشره في الجريدة الرسمية.


وصدر بمقر المحكمة الدستورية بالرباط في يوم الإثنين 29 من ذي الحجة 1447              
(15 يونيو 2026)

الإمضـاءات

محمد أمين بنعبد الله

لطيفة الخال             الحسين اعبوشي             محمد علمي              خالد برجاوي

أمينة المسعودي            نجيب أبا محمد             محمد قصري            محمد ليديدي

سعد غزيول برادة                  احمدو الباز                  عبد الحافظ اد مينو